
لا أعتقد أن مشكلة العديد من إدارات الموارد البشرية اليوم في بلادنا تكمن في نقص السياسات أو ضعف الإجراءات فحسب، بل قد تكون في اختلال العلاقة بين صرامة النظام وفلسفة الخدمة.
فجوهر هذا الدور في رأيي الشخصي كممارس للموارد البشرية لعقود من الزمن، يقوم على عمودين متلازمين: إتقان الوظيفة الإدارية والتخصصية، وإتقان الوظيفة الخدمية في الوقت نفسه.
وهنا يتجلّى الإشكال الحقيقي في كثير من إدارات الموارد البشرية حين تُحْسِن أحد الجانبين على حساب الآخر. فقد تنجح بوصفها جهازًا إداريًا صارمًا، يُجيد كتابة السياسات، وتطبيق الإجراءات، وضبط الانضباط، لكنها تفعل ذلك غالبًا بقدر محدود من الحس الإنساني. وقد تنزلق، في المقابل، إلى دور خدمي مرن يحرص على إرضاء الجميع، لكنه ينتهي إلى إضعاف النظام.
والحقيقة أن هذا ليس مجرد خلل في الممارسة، بل يمكن وصفه بالضعف البنيوي في فهم وظيفة الموارد البشرية نفسها.
فالموارد البشرية، لا تؤدي رسالتها حقًا إلا حين تجمع بين وظيفتين متلازمتين:
غير أن القيمة الحقيقية لا تكمن في اجتماع الوظيفتين فحسب، بل في ترتيب العلاقة بينهما. فالخطأ الشائع أن تُحاصر الخدمة داخل الإجراء، أما النضج الحقيقي، فيبدأ حين يُسخَّر الإجراء لخدمة الإنسان دون أن يفقد صرامته وعدالته.
عندها لا تكون السياسات والإجراءات غاية قائمة بذاتها، بل تصبح وسيلة لتقديم خدمة مؤسسية منضبطة وموثوقة. وهنا يتبدل سلوك إدارات الموارد البشرية:
حيث تُصرف المستحقات لا بوصفها التزامًا نظاميًا فحسب، بل بوصفها حقًا ينبغي أن يصل في وقته، دون سؤال.
ويُراجع الإجراء لا من حيث وجوده من عدمه، بل من حيث وضوحه، وسهولة الوصول إليه، وعدالة تطبيقه. ويُقاس رضا الموظف عن الخدمة لا باعتباره أمراً إداريًا يجب تطبيقه، بل باعتباره متطلبا لتحسين جودة التجربة المؤسسية. ويمكن بعد ذلك أن تلحظ بوضوح انحيازها لا لهذا الطرف أو ذاك، بل إلى العدالة المؤسسية التي تحفظ العلاقة بين الجميع وتمنحها الثقة والاتساق.
هنا، يصبح موظف الموارد البشرية، في جوهر ممارسته، ممثلًا لخدمة العملاء الداخليين، لكن في إطار نظام دقيق لا يضعف بالمرونة، ولا يفقد إنسانيته بالصرامة.
ولن يتحقق لهذه الإدارة الحيوية في المؤسسات ذلك بالنيات الحسنة وحدها، بل، بحسن اختيار المختص الذي يتمتع إلى جانب المهرة بسمات محب تقديم الخدمة، وبتبني أدوات رقمية ذكية تُخفف العبء الإجرائي، وتحرر الجهد البشري ليتجه إلى ما هو أعمق أثرًا: جودة التجربة، وسرعة الاستجابة، وعدالة المعالجة.
كما أن هذه الفلسفة لن تبلغ نضجها التام ما لم تُترجم إلى مؤشرات قابلة للتتبع والقياس، من رضا الموظفين ورؤساء العمل عن الخدمة، إلى زمن إنجاز المعاملات، إلى أثر ذلك كله في الاستقرار، والانضباط، والأداء.
وعند هذه النقطة، تصبح إدارة الموارد البشرية قادرة على أن تقول، بجدارة:
ولعل هذا هو الفارق الحقيقي؛ لأن النظام إذا طُبِّق بلا روح، أرهق الناس، ولأن الخدمة إذا قُدِّمت بلا نظام، أفسدت العدالة. وفي كلتا الحالتين، تتآكل الروح المعنوية، ويضعف الأداء، وتغادر الكفاءات، ويخفت بريق المؤسسة في أعين الموهوبين في سوق العمل، فلا تغدو جهة تستحق اهتمامهم.
أما حين يلتقيان، تُصان الحقوق، وتطمئن النفوس، وتترسخ الثقة، وينطلق الأداء في مساره الصحيح، وتغدو المؤسسة وجهة جاذبة للكفاءات، وأفقًا مهنيًا واعدًا للموهوبين.