المقالات

القيادة بالأثر… لا بالأثَرَةْ

Image placeholder

د. عبدالملك محمد ملهي

الرئيس التنفيذي لمؤسسة رواد عالم الإدارة للاستشارات الإدارية والتدريب

القيادة بالأثر

هي نمطٌ قياديٌّ لا يقوم على كثافة حضور القائد في كل تفاصيل العمل، بل على ما يتركه من أثرٍ استراتيجيٍّ يضمن للمؤسسة رسوخًا، ونموًّا، وقدرةً على البقاء والاستمرار في غيابه، بل حتى بعد رحيله.

أما القيادة بالأثرة،

فهي نمطٌ قياديٌّ يتمحور حول ذات القائد، يملأ به أرجاء المؤسسة ضجيجًا وصخبًا، موهمًا الجميع بإحاطته بدقائق الأمور وبقوة النظام، وفي الأثناء يجمع الخيوط كلها في يده، عن قصدٍ أو عن غفلة. ومن هنا ينزلق إلى أخطر ما يهدد المؤسسة: أن يصبح النظام معلّقًا بشخصه، فإذا غاب، غاب النظام معه، وبقيت المؤسسة بلا مرجعية، فتضيع عليها الفرص، وتتعرض للمخاطر، وقد لا تصمد في عالمٍ لا يرحم.

القائد بالأثر

لا يجعل المؤسسة تدور حوله، بل يمنحها سرَّ قوتها واستمراريتها؛ فيبني رجالًا، ويرسّخ معايير، ويصنع مع أفراده نظامًا لا ينهار إذا ابتعد.

والقائد بالأثرة، بحضوره المكثف في جميع التفاصيل، يفتح لنفسه باب الاعتداد بالرأي، ويورث في المقابل إحجامًا من الأفراد عن إبداء الرأي، فتضيق مساحات المشاركة، ويذبل الإبداع المؤسسي.

ومع استمرار هذا النمط السلبي في القيادة، قد يتجاوز الأمر إلى ما هو أخطر: أن يصبح القائد مستأثرًا بالنتائج لنفسه، شحيحًا بها على أفراده، متوهّمًا أن غيره لا يقدم للمؤسسة ما يقدمه هو. وعندئذٍ تغدو المؤسسة مرتعًا خصبًا للظلم والمحاباة، وهو خطر أشد فداحة وأبعد أثرًا مما سبقه.

الخلاصة:

يمكن استشفاف معنى القيادة بالأثرة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "شحٌّ مطاع، وهوىً متّبع"؛ فالقائد هنا يضخّم صورته وأدواره، ويُصغّر من حوله، سواء في الصلاحيات، أو في حصولهم على ما يستحقونه.

أما القيادة بالأثر، فهي التي تدعم، وتشجّع، وتبني نظامًا، وتقيم العدالة في أبهى صورها. ولعلها من أنبل صور القيادة؛ إن يجمع صاحبها بين التفوق المؤسسي في الدنيا، والرجاء في جزاء الآخرة، كما ورد في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "إمام عادل".

القائد بالأثرة يبني حضورَه في المؤسسة، أما القائد بالأثر فيبني المؤسسةَ لتبقى بعد حضوره.