استوقفتني مليّاً، وأنا أطالع اليوم عدداً من القضايا الإدارية في مدونات مجلة «فوربس» العريقة، لفتةٌ فكرية رشيقة، صيغت في مصطلحٍ عميق السبك، دقيق الأثر، أطلقوا عليه: «الدُّوار المهني» Career Vertigo.
ولعل جمال هذا المصطلح أنه لا يصف ارتباكاً وظيفياً عابراً، بل يستعير من عِلّة الجسد صورةً كاشفةً لعلّة المهنة؛ فالدوار، في معناه المرضي، ليس سقوطاً فعلياً بالضرورة، بل اختلالٌ في الإحساس بالاتزان، واضطرابٌ في إدراك الاتجاه، وشعورٌ مربك بأن الأشياء تدور من حول الإنسان، أو أن الأرض تميد تحت قدميه، وإن كانت في حقيقتها ثابتة.
وهكذا هو الدوار المهني في بيئات العمل المعاصرة: ليس دائماً فقداناً للوظيفة، ولا انهياراً ظاهراً في المسار، بل اهتزازٌ داخلي في يقين الإنسان بقيمته، حين يكتشف أن المسمى الذي احتمى به طويلاً لم يكن ذاته، بل شيئاً عارضاً خارجها؛ وأن الكرسي الذي جلس عليه زمناً لم يكن جذره الذي يقف عليه؛ وأن الرتبة التي زيّنت بطاقته التعريفية لم تكن شخصه الذي يبقى حين تتبدل الظروف، وتتغير المواقع، وتُعاد صياغة الخرائط.
نعم، إنه ذلك الارتباك العميق الذي يلحق بمن علّق هويته بقشور المسميات وبطاقات التعريف، لا بجوهر الإمكانات والقدرات؛ ومن ربط مستقبله بما تمنحه الهياكل من ألقاب، لا بما تؤسسه المعارف والمهارات؛ ومن ظن أن مجرد حصوله على اللقب يحميه، فإذا برياح التحوّل تكشف أن الألقاب سراب، وأن المهارات الأصيلة وحدها هي التي تمنحه شرعية البقاء والاستمرارية.
في هذا العصر العاصف، حيث تعيد التقنية تشكيل المهن، وتزاحم الخوارزميات كثيراً من الأدوار، لم يعد السلم الوظيفي التقليدي وعداً آمناً بالصعود، بل أصبحت المسارات المهنية أكثر سيولةً وتعرجاً، لا ترحم من يركن إلى الدعة، ولا تنتظر من يكتفي بتاريخٍ مضى أو مسمىً مضى.
ولا عاصم من هذا الدوار إلا أن يفطم الإنسان ذاته عن سراب اللقب، وأن يعيد ربط قيمته بما هو أعمق وأبقى:
بفهمه، وبصيرته، ومرونة عقله، وذكائه الوجداني، وقدرته على التعلم، واستنباط الحلول، وصناعة الأثر في البيئات المتغيرة.
فالمسمى الوظيفي قد يمنح صاحبه حضوراً مؤقتاً داخل الهيكل، أما المهارة فتمنحه قابلية الاستمرار داخله وخارجه.
والمنصب قد يرفع الإنسان لحظة، أما الكفاءة فهي التي تمنعه من السقوط حين تتغير المواقع، وتتبدل الخرائط، وتعاد صياغة قواعد اللعبة.
من يرهن قيمته بكرسي يجلس عليه، سيضطرب لا محالة حين يهتز الكرسي.
ومن يغرس قيمته في علمه ومهاراته وأثره، سيظل متزناً وإن دارت من حوله المؤسسات، وتبدلت المسميات، وتغيرت الأرض غير الأرض.
ففي عالمٍ تتسارع فيه التحولات، لا ينجو من الدوار إلا من كانت جذوره الفكرية راسخة في التميز، وأغصانه مشرعة في سماء التجدد.