مقابلات التوظيف «هل مقابلةٌ أم مجابرة؟!»

د. عبدالملك محمد ملهي
د. عبدالملك محمد ملهي الرئيس التنفيذي لمؤسسة عالم الإدارة
2026/04/28
العودة للمدونة

في صميم ثقافتنا اليمنية، تبرز كلمة "مجابرة" بوصفها واحدة من الكلمات التي تختزن معنى اجتماعيًا حيًا ودافئًا؛ فهي تحضر في اللقاءات العابرة بين الأصدقاء والزملاء، كما تحضر في مواساة الأحبة في الأفراح والأتراح. إنها ذلك الحديث الودي الذي لا يتقيد بهدف محدد، بل ينساب بعفوية، فيصنع ألفة، ويملأ الوقت أنسًا، وبخاصة في مجالس القات.

فعبارة: "تعال نتجابر" ليست إلا دعوة عفوية لتبادل أطراف الحديث، وعبارة: "رايح أجابر فلان" تعبير اجتماعي لطيف ينم عن مشاركة وجدانية صادقة. ولكن، ماذا لو تسللت هذه الروح العفوية إلى موضع لا ينبغي لها أن تكون فيه؟ ماذا لو دخلت "المجابرة" إلى أروقة المؤسسات، وتحديدًا إلى غرف مقابلات التوظيف، فتحولت المقابلة من بوابة لاختيار الجدارة إلى مجلس تعارف وأُنس؟ للأسف، هذا ما حدث، ولا يزال يحدث حتى اللحظة.

إننا هنا لا نتحدث عن هفوات فردية عابرة، بل عن ظاهرة مؤسسية مقلقة تهدد جودة الاختيار، وتفتح الباب لهدر الفرص، وإقصاء بعض الجدارة، وإضعاف ثقة الناس بعدالة التوظيف. ذلك أن مقابلات التوظيف، في جوهرها، ليست أحاديث مرتجلة، بل عملية مهنية دقيقة، لها أركانها وشروطها وبروتوكولاتها، وهدفها الأسمى هو اختيار الأكفأ والأجدر بالانضمام إلى المؤسسة. وهذا لا يتحقق إلا بتحضير عميق، وأسئلة منضبطة، وإدارة واعية لمسار الحوار، وشفافية في التقييم.

غير أن المشاهد في كثير من المقابلات – على الأقل فيما لمسته شخصيًا عبر خبرة مهنية تجاوزت خمسة وثلاثين عامًا – هو انزلاق تدريجي ومؤلم بهذه العملية الحساسة، في عدد من مؤسسات القطاع الخاص، نحو ما يشبه "المجابرة" بامتياز، حتى كادت في بعض الحالات تُفرَّغ من مضمونها الحقيقي.

حين تُختطف المقابلة من يد المنهج:

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا يُلقى الحكم على الجميع بميزان واحد؛ فثمة مؤسسات جادة أدركت مبكرًا أن مقابلة التوظيف ليست إجراءً شكليًا، بل بوابة دقيقة لحماية جودة الاختيار، فسعت إلى تحصينها من الارتجال، وضبطها بمعايير أوضح، وأسئلة أدق، وآليات أكثر مهنية. غير أن هذه النماذج في بيئتنا اليمنية على الأقل، ما تزال محدودة، ولا تمثل القاعدة الغالبة.

أما الصورة الأوسع، فتتشكل حين تُدار المقابلات بمنطق الاستعجال لا بمنطق الاختيار؛ فتُنتزع من يد المنهج، وتُلقى في قبضة الارتجال. وهنا لا يصبح الخلل مجرد ضعف إجرائي عابر، بل يصبح تعبيرًا عن وَهَنٍ في الوعي المؤسسي ذاته؛ تتوزع مسؤوليته، بدرجات متفاوتة، بين رب العمل – ولا سيما في الشركات العائلية – والقيادات العليا، ومحترفيّ الموارد البشرية، حين يسهمون معًا في تفريغ هذه العملية الحساسة من مقتضياتها المهنية، حتى تُختزل في صورة حضور شكلي، أو انطباع سريع، أو قرار يتكئ على الحديث العابر أكثر مما يستند إلى المعايير. ومن هذه النقطة تبدأ المقابلة في فقدان معناها الحقيقي، حتى تغدو، في بعض المؤسسات، “مجابرة” بمسمى إداري لا أكثر.

طوارئ التوظيف: "ضروري الآن ومستعجلين!"

"الإدارة تطلبك الآن"... يا لها من جملة تختصر مقدار الخلل الذي أصاب كثيرًا من المقابلات؛ إذ يُتعامل مع سرعة ملء الشاغر بوصفها غاية، لا بوصفها وسيلة إلى اختيار صحيح. ومن هنا تتولد الحلقة المرهقة نفسها: تعيين على عجل، ثم ضعف في التوفيق، ثم مغادرة مبكرة، ثم عودة إلى الشاغر من جديد. وهكذا تجد المؤسسة نفسها أسيرة معركة متكررة لسدّ الفراغ، بدل أن تتفرغ لما هو أولى: قيادة العمل وتجويد نتائجه. وهنا يصدق المعنى الإداري العميق: أن يبقى الكرسي فارغًا لبعض الوقت خير من أن يشغله الشخص الخطأ؛ لأن المؤسسة قد تحتمل فراغًا مؤقتًا، لكنها تدفع كلفة أفدح حين تتعجَّلُ ملؤه بالشخص الخطأ.

غياب التحضير المهني: "السيرة الذاتية؟ لا وقت لدينا!"

وتزداد الصورة اختلالًا حين تُعقد المقابلات بلا إعداد يليق بحساسية القرار: أعضاء لجنة لم يُختاروا على أساس الملاءمة، وموعد ومكان لا يعكسان جدية الإجراء، وملفات مرشحين لا تصل كاملة إلى أيدي من سيقيّمونهم، أو لا تصل أصلًا. فلا سيرة ذاتية مدروسة، ولا نتائج اختبارات، ولا معطيات كافية تساعد على تقدير منضبط. وهنا لا تعود اللجنة أمام مقابلة بالمعنى المهني، بل أمام جلسة تخمين موسعة، يُطلب فيها إصدار حكم على أشخاص لا تتوافر عنهم المعرفة اللازمة. ومن هذه اللحظة تبدأ “المجابرة” في لبس ثوب المقابلة.

ديكور المؤسسة: "قرار الرئيس … وتأمين اللجنة!"

هنا يبلغ الخلل ذروته حين يتركز القرار الفعلي في يد رئيس لجنة التوظيف، لا لقوة حجته في الغالب، بل ربما يكون لثقل موقعه، أو لتحرج الأعضاء من مخالفته، أو لأن وجودهم قد لا يُراد به أكثر من إكمال الصورة المؤسسية أمام المرشح. وهكذا يتحول بقية الأعضاء إلى حضور تكميلي يبارك أكثر مما يناقش، ويوافق أكثر مما يقيّم. وعندها تفقد اللجنة معناها، وتفقد المقابلة إحدى أهم ضماناتها: تعدد وجهات النظر من زوايا مختلفة، وإيجاد التوازُن، وكبح التحيز الفردي. وإن لم يحصل ذلك فما قيمة لجنة كاملة إذا كان القرار يُصاغ في ذهن شخص واحد، ثم يُوزع على الآخرين في صورة إجماع شَكْلِيّ؟

الآثار الوخيمة لـ"مُجابرة" التوظيف

إن "مجابرة" التوظيف لا تنتهي بانتهاء المقابلة، بل تبدأ منها. فأول ضحاياها الجدارة؛ إذ تُقصى كفاءات حقيقية لا تُجيد المجاملة أو لا تملك سندًا اجتماعيًا، بينما يتقدم غيرها ممن يحسنون الحديث أكثر مما يحسنون العمل.

ثم تدفع المؤسسة الثمن في الأداء؛ لأن سوء الاختيار لا يبقى خطأً نظريًا، بل يترجم نفسه إلى إنتاجية أضعف، وتوافق أقل، وكلفة أعلى.

ويمتد الأثر إلى الثقة؛ حين يخرج المرشحون بانطباع مؤلم مفاده أن عدالة الفرص ليست دائمًا هي التي تحكم باب التوظيف، بل قد تحكمه أحيانًا مهارات "المجابرة" وعلاقات القُرْب، وربما تقدير من يتربع رأس الهرم.

إن "مجابرة" التوظيف ليست مجرد ضعف مهني، بل صورة من صور التفريط المؤسسي المُقَنَّعِ؛ لأنها بوابة الخطأ إلى قلب المؤسسة تحت مسمى النظام، فهي تمنح الانطباعات صفة المعايير، وتُلْبِسُ الارتجال ثوبَ القرار الصائب. وحين يحدث ذلك، لا تكون لجان المقابلات خطوط دفاع متقدمة عن جودة الاختيار، بل قد تصبح – من حيث لا تشعر – أول المنافذ التي يتسلل منها الخلل إلى البُنْيَةِ كلها. لذلك، فإن إنقاذ المقابلة من "المجابرة" ليس تحسينًا شكليًا في آلية التوظيف، بل استرداد لهيبة الاختيار نفسه، وصونٌ للأمانة في موضعٍ لا يحتمل العبث.

فالمؤسسة التي تُجَامِل في المقابلة، ستدفع الثمن إن عاجلا أو آجلا من عمرها وسمعتها ونتائجها.

نحو مقابلات مهنية لا "مُجَابَرَة" عابرة: حلول وتوصيات:

لن يُستعاد احترام المقابلة بكثرة الكلام، ولا بجودة البحوث والدراسات، بل بولادة قناعات راسخة في ذهن رب العمل، وقياداته العليا والوسطى، ومديري ومحترفي الموارد البشرية في الشركات، بأن الاستمرار في الاستهانة بدور المقابلات هو بوابة خطيرة قد تُقوِّض المؤسسة، أو – في الحد الأدنى – تتسبب في تقزيمها وتحجيم أنشطتها. وإزاء ذلك، فإن ما ينبغي أن نوصي به هو إعطاء المقابلة حقها من الاهتمام، بل إعادة بنائها على أصولها: تخطيط يسبق الحاجة، وتحضير يسبق الجلسة، ولجنة تُختار على أساس الكفاءة، ويُضبط إيقاع أدائها بمزيد من التدريب وتحميل المسؤولية، وأن تُدار وفق منهجية تأخذ بأفضل الممارسات، وبأسئلة مبنية على التوصيف والجدارة لا على سبيل التمهيد "للمجابرة". فالمؤسسات لن تحسن الاختيار إلا حين تتعامل مع المقابلة بوصفها أداة قرارٍ استراتيجي لحسن اختيار المواهب والكفاءات، لا جلسات إسقاط الواجب وتقديم المجاملات.

د. عبدالملك محمد ملهي

د. عبدالملك محمد ملهي

الرئيس التنفيذي لمؤسسة عالم الإدارة

الرئيس التنفيذي لمؤسسة عالم الإدارة (WOM) للاستشارات الإدارية والتدريب ومستشار الموارد البشرية والتنظيم المؤسسي بخبرة تتجاوز 30 عامًا في تصميم وبناء أنظمة الموارد البشرية والهياكل المؤسسية.

هل نال المقال إعجابك؟ استكشف المزيد من مواضيعنا.

جميع المقالات